كيف تفقد المدينة ذاكرتها على الشاشة؟
أحيانًا ينجح الفيلم في كل شيء... إلا أن يجعلنا نؤمن بالمكان الذي تدور فيه أحداثه. أخاف أن يصل العالم يومًا إلى سينمانا، فيجد أفلامًا جيدة، ويصفق لها، ثم يمضي... دون أن يعرف أنه لم يرَ السعودية أصلًا.
للسينما ذاكرة أطول من ذاكرة سكان المدن أنفسهم. المدينة تتغير ويتغير أهلها وتتغير رائحتها، لكن الفيلم يبقى. لذلك تحمل التفاصيل الصغيرة قيمة أكبر مما تبدو عليه؛ لأنها تصنع الإحساس بالمكان قبل أن تصنع الحكاية. وقد تمر على المشاهد عابرة، لكنها تبقى في داخله طويلًا، حتى تصبح الفاصل بين مدينة يراها... ومدينة يشعر بها.

أعجبني فيلم (مسألة حياة أو موت) أكثر مما توقعت. وهذا ليس مديحًا مُجاملًا بل أظنه من أفضل الأفلام السعودية التي شاهدتها حتى الآن. ذكي، وفكرته طازجة، ويعرف كيف يوازن بين الخيال والواقع دون أن يسقط في الاستعراض. تدور قصة الفيلم حول امرأة تعيش وهي تنتظر موتها بسبب لعنة تؤمن بها، في مقابل طبيب يرى أن لكل شيء تفسيرًا علميًا، وهي فكرة كافية لصناعة صراع ممتع، لكن الفيلم مضى أبعد من ذلك. الطريقة التي وظّف بها الأرقام والاحتمالات وما وراء الطبيعة صنعت عالمًا متماسكًا، والمنعطف السردي جاء في مكانه، والشخصيات نضجت أمامنا والإخراج بدا واثقًا من نفسه إلى درجة جعلتني أتمنى أن أرى مزيدًا من هذه النوعية من الأفلام السعودية.
لكن طوال الفيلم، ثمة شعور راح يتضخم داخلي مع كل مشهد. ليس خطأً في الإخراج، ولا في الكتابة، ولا في التمثيل. بل إحساس يصعب وصفه، وكأن الفيلم يبذل حرصًا شديدًا على أن ينفصل عن واقعه المحلي. أعي أن أحداث الفيلم تحدث داخل جدة لكنني لا أستشعر جدة التي أعرفها.. ولا أقصد نافورة جدة، ولا اسم المدينة، ولا مواقع التصوير. أقصد الناس أنفسهم. طوال الفيلم كنت أبحث بعيني عن علامة واحدة تعيدني إلى المكان. ممرضة محجبة، مريضة ترتدي عباءة، رجل بثوب داخل المستشفى. أي علامة صغيرة تقول لي إن هذا المجتمع هو المجتمع الذي أعرفه. لكن هذه العلامات تكاد تختفي جميعها حتى يصبح المكان مألوفًا وغريبًا في آن واحد.

نسخة محايدة من السعودية
والغريب أنني لم أكن أحتاج أكثر من تفصيل واحد. ورب الكعبة، لو ظهرت ممرضة واحدة فقط ترتدي الحجاب، أو خرجت البطلة من ساكو بعباءة مفتوحة فوق ملابسها —حتى لو بدا المعطف قريبًا من شكل العباءة— لما خطر ببالي أن أكتب هذا المقال أصلًا. لأنني لا أبحث عن استعراض للهوية، ولا عن فيلم يشرح المجتمع السعودي أو يقدمه بوصفه نموذجًا. كل ما أبحث عنه هو ذلك الإحساس البسيط بأن الشخصيات تنتمي فعلًا إلى المكان الذي تقول القصة إنها تعيش فيه.
ولم يقتصر الأمر على الصورة. علاقة الطبيب بالممرضة بدت هي الأخرى خارجة عن السياق الذي أعرفه. لمسات على الظهر، وعبارات مطمئنة من نوع: «لا تخاف، أنا موجودة.» ظللت أنتظر أن يكشف الفيلم عن تاريخ يجمع الشخصيتين، لكن شيئًا من ذلك لم يظهر. وحين وجدت البطلة وصديقتها يدخّنان أمام باب الروضة بأريحية تامة، من حق الناس أن يدخّنوا طبعًا —وفي جدة أحق— لكن باب الروضة بالذات، بكل ما يحمله من ثقل تربوي واجتماعي هو آخر مكان لتصوير هذا المشهد. بقيت هذه التفاصيل معلّقة، وبقي معها شعوري بأن الشخصيات تتحرك داخل نسخة محايدة من السعودية، تشبهها من بعيد ولا تسكنها.
وأثناء المشاهدة تذكرت فيلم (بسمة) مباشرة. فيلم آخر تدور أحداثه في جدة —سبحان الله— وأثار فيّ الإحساس ذاته. ظللت أبحث عن المدينة التي أعرفها؛ في البيوت وفي الحوارات المستوردة ومواقع التصوير وفي تفاصيل الحياة اليومية. ومع أن (مسألة حياة أو موت) يتفوق عليه بمراحل في مستوى الكتابة والإخراج والبناء، إلا أن السؤال الذي خرجت به من الفيلمين كان واحدًا.

جميلة المعالم فارغة الروح
السؤال أكبر من قطعة قماش —ولو أحسن بعضهم الظن وفهموه هكذا لوفّرنا نقاشًا طويلًا— لأن السعودية تسكن اللهجة وطريقة الحديث والعلاقات بين الناس وحتى المسافة الطبيعية بينهم — تلك التفاصيل التي لا ينتبه إليها أهل المكان لأنها جزء من هوائهم. حين تختفي كلها معًا، يصير المكان كمدينة صوّرها مصوّر لم يزرها قط؛ جميلة المعالم فارغة الروح.
وما يُضاعف طرافة الموضوع أن العالم يعيش اليوم نقاشًا معاكسًا تمامًا. فخلال العقد الأخير، أصبحت مسألة التمثيل واحدة من أكثر القضايا حضورًا في السينما الغربية. فتجد الشيخ كريستوفر نولان والشيخة جريتا غيرويغ وسائر أئمة هوليوود يواجهون ضغطًا متصاعدًا لأن شاشاتهم لا تضمّ الجميع. كل هوية ينبغي أن ترى نفسها، وكل خلفية ينبغي أن تجد ممثّلها، حتى باتت المسألة نقاشًا ثقافيًا يستهلك من الطاقة ما يكفي لإنتاج عشرة أفلام. أما هنا، فنحن نناقش القضية من الطرف الآخر: ليس لأن الشاشة ترفض الغريب، بل لأنها تغفل صورًا من صميم المجتمع.
وهنا بدأت أتساءل:
من الذي يقرر أي صورة تستحق أن تظهر على الشاشة؟
هل هو اختيار فني محسوب؟ أم رؤية معيّنة لما تبدو عليه السينما «العالمية»؟ أم اعتقاد بأن تخفيف المظاهر المحلية يُحسّن الفيلم في بورصة المهرجانات؟ أم —وهذا ما أميل إليه— أن هذه ببساطة هي البيئة التي يعرفها صنّاع هذه الأعمال، ويمدّون الكاميرا نحو ما يعرفون؟
لا أعرف. لكنني أعرف أن تكرار غياب فئة واسعة من المجتمع يُحوّل الغياب نفسه إلى رسالة، حتى لو لم يقصدها أحد. المحلية ليست ديكورًا نختاره حين نتذكّر ونحذفه حين ننشغل. المحلية هي ما يجعلني أصدق العالم قبل أن أصدق القصة. العالم وقع في حب السينما الكورية حين قرّرت أن تكون كورية. ووقع في حب السينما الإيرانية حين قرّرت أن تكون إيرانية. ولم يحدث ذلك رغم محليتهما، بل بسببها.
وأخاف — وأقولها صريحة — أن يصل العالم يومًا إلى سينمانا فيجد أفلامًا جيدة، ويصفق لها، ويمضي، دون أن يعرف أنه لم يرَ السعودية أصلًا.

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-