الخطايا السبع كما ترويها السينما

قائمة: 7 أفلام تمثّل الخطايا السبعة على الشاشات.

أجمل الأفلام هي التي تخدعك في سؤالها الأول. تظن أنك تعرف ما الذي تحكيه، ثم تخرج مقتنعًا بأنها كانت تحكي عن شيء آخر. لهذا لا تحب السينما أن تسمي الأشياء، وتتركنا نكتشف أسماءها بأنفسنا.

تابعتُ (The Odyssey) وأنا أعرف الإلياذة أكثر مما أعرف الأوديسة. كنت أعرف الحرب، وحصان طروادة، واسم أوديسيوس الذي ارتبط بالحيلة والدهاء؛ أما رحلته الطويلة إلى إيثاكا، فقد تركتها دائمًا لقرّاء أكثر صبرًا.

خلال معظم الفيلم، بدت القصة حكايةً عن العاقبة أكثر من كونها حكايةً عن البطولة. كل قرار يفتح بابًا، وكل باب يقود إلى مأزق أشد، حتى بدا البحر وكأنه يعيد إلى أوديسيوس نتائج اختياراته موجةً بعد أخرى. وما لفتني أن محطات الرحلة بدت كأنها تمر على الخطايا السبع واحدةً تلو الأخرى؛ رجال يهزمهم الجوع فيذبحون ماشية الإله رغم التحذير، وسيرينات يعدن البحارة بما يعرفون أنه سيهلكهم، وخُطّاب يستقرون في قصر بينيلوبي، يستهلكون طعام أوديسيوس وثروته، ويتصرفون وكأن غيابه منحهم حق التصرف في حياته.

لكن خطيئةً واحدة بدت أكبر من سواها. الكبرياء.

في الملحمة الأصلية، ينجو أوديسيوس من العملاق بوليفيموس بحيلته الشهيرة، ثم يلتفت ليخبره باسمه. كان يستطيع أن ينجو ويمضي، لكنه أراد شيئًا إضافيًا؛ أن يعرف خصمه من الذي هزمه. أما الفيلم، فيحذف هذه اللحظة، لكنه يحتفظ بجوهرها. بعد طروادة، أصبح أوديسيوس يثق بأنه استثناء، وأن التحذيرات وُجدت للآخرين.

وهنا بدأت الخطايا تستدعي أفلامها. كلما مرّت واحدة في ذهني، حضر معها فيلم بدا وكأنه صورتها على الشاشة. وهكذا خرجت هذه القائمة؛ سبعة أفلام، رأيت في كل واحد منها خطيئةً تمسك بالدفة، وتقود بقية الحكاية.

● الكبرياء: أن تصبح الحياة العادية إهانة

أكثر ما يلفتني في الكبرياء أنه نادرًا ما يبدو قبيحًا في البداية. يأتي غالبًا على هيئة شخص موهوب، أو مجتهد، أو طموح، يريد أن يترك أثرًا في العالم. والمشكلة تبدأ في اللحظة التي تصبح فيها الحياة العادية إهانة، ويغدو مجرد التفوق على الآخرين أقل مما يستحقه الإنسان في نظر نفسه.

في (Whiplash) ستتابع شابًا يدرس الإيقاع في أعرق مدارس الموسيقى، لكنه لا يريد أن يكون عازفًا جيدًا —فكلمة "جيد" نفسها تبدو له إهانة— يريد أن يصبح اسمه جزءًا من التاريخ وهو هدف مشروع في حد ذاته، لو لم يشمل في طريقه الجميع. وستجد مقابله أستاذًا يؤمن بأن قدرته على اكتشاف العظمة تمنحه حق الإذلال والقسوة وهو منطق يتبعه أيضًا كثير من المعلمين والمديرين والآباء الذين لم يصلوا بعد إلى مستوى العظمة التي يدّعون احتكار مفتاحها.

لهذا يبدو (Whiplash) فيلمًا عن اللحظة التي يتوقف عندها الطموح ويبدأ منها الكبرياء. فالخطيئة هنا تقنع الإنسان بأن القواعد التي تحكم الجميع... لا تنطبق عليه.

● الطمع: العالم لا يتسع لشريكين

في بداية (There Will Be Blood) نشاهد البطل دانيال بلينفيو وهو رجل يجمع الأرض والنفط والنفوذ في مطلع القرن الماضي. ومع تقدم الفيلم، يتغير معنى الثراء نفسه. المال يتحول إلى وسيلة، والغاية تصبح التفوق المطلق. كل قطعة أرض يشتريها تفتح شهيته لقطعة أخرى، وكل نجاح يحققه يفقد قيمته ما دام هناك شخص يحقق نجاحًا مشابهًا. الابن واجهة، والدين خصم، والأرض ساحة لإثبات التفوق.

الطمع، كما يقدمه الفيلم، هو الرغبة في احتكار المكان كله. أن تكون صاحب اليد العليا وحدك، وأن يضيق العالم كلما ظهر فيه شريك جديد. لذلك ينتهي دانيال محاطًا بكل ما أراده، لكنه يقف وحيدًا في منتصفه. فبعض أشكال الطمع تقود إلى الامتلاء من الخارج... والفراغ من الداخل.

● الحسد: الحياة التي سكنها شخص آخر

يبدأ (Parasite) كقصة عن الفقر، ثم يتحول بهدوء إلى قصة عن الحسد. تدخل عائلة كيم منزل عائلة بارك بحثًا عن عمل، فتكتشف عالمًا آخر؛ بيتًا واسعًا، وحديقة، وضوءًا يدخل من نوافذ كبيرة، وحياةً تبدو أخف من حياتهم. في تلك اللحظة يتغير كل شيء، لأن الإنسان بعد أن يرى حياةً أخرى ممكنة، يصعب عليه أن يعود إلى حياته الأولى بالعين نفسها.

شيئًا فشيئًا، يتحول الإعجاب إلى رغبة في الحلول محلهم. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الطموح والحسد؛ الطموح يسعى إلى المكان، أما الحسد فيسعى إلى إخلائه. ولهذا لا يفسد الحسد ما تنظر إليه، بل يفسد الطريقة التي تنظر بها. فما إن يرى الإنسان حياةً يتمنى لو كانت له، حتى يبدأ بالنظر إلى حياته بوصفها خسارة، لا واقعًا.

● الغضب: الجرح حين يمسك بالدفة

الغضب لحظة بشرية أصيلة. أما الخطيئة فتبدأ حين يصبح الغضب هويةً كاملة، وحين يتوقف الإنسان عن البحث عن العدالة ويبدأ في البحث عن شخص يدفع الثمن، أي شخص.

في (Three Billboards Outside Ebbing, Missouri) ستتابع أمًا تعجز عن احتمال الصمت المحيط بمقتل ابنتها، فتضع غضبها على ثلاث لوحات ضخمة أمام المدينة كلها. وهو رد فعل يستهوي كثير منا —كل من رأى ظلمًا في مكان وامتلك واجهةً يضع عليها غضبه— وكثيرون منا لا يملكون الواجهة. غضبها مفهوم، بل يكاد يبدو ضروريًا. لكن الفيلم يأخذك تدريجيًا لترى كيف ينتقل هذا الغضب من شخص إلى آخر كالنار في الحطب الرطب ببطء يُنهك الجميع، حتى يصبح كل واحد في الفيلم جريحًا يبحث عن جسد آخر يضع فيه جرحه. السؤال الذي سيظل يشتغل فيك بعد انتهاء الفيلم: ماذا يحدث حين يصبح الغضب الشيء الوحيد الذي يبقيك واقفًا؟

● الشره: حين تختفي كلمة «يكفي»

في عالم (The Wolf of Wall Street)، تتسع الرغبة مع كل إنجاز. كل نجاح يرفع سقف النجاح الذي يليه، وكل متعة تستهلك أثرها بسرعة، حتى تتحول الوفرة نفسها إلى شكل من أشكال الجوع. المال، والسلطة، والمخدرات، والمخاطرة، كلها تدور في الحلقة نفسها؛ جرعة أكبر، ثم رغبة أكبر، ثم جرعة أكبر من جديد. وجوردان بيلفورت يستهلك كل ما يمر في طريقه؛ المال، والوقت، والناس، وحتى صورته عن نفسه. كل انتصار يفقد بريقه لحظة يعتاد عليه، فيبحث عن انتصار آخر يعيد إليه الشعور الأول. هكذا تدور حياته في دوائر متسارعة، بينما يبقى الجوع في مكانه.

والغريب أن الفيلم يحمل الإيقاع نفسه؛ صاخب، متخم، يقفز من حفلة إلى أخرى، ومن صفقة إلى أخرى، ومن سقوط إلى آخر، حتى يخرج المشاهد بالإرهاق نفسه. كأن مارتن سكورسيزي أراد أن يجعل الشره تجربةً تُعاش قبل أن يكون فكرةً تُفهم.

وربما لهذا اخترته. لأنه يصوّر الشره بوصفه اللحظة التي تخرج فيها كلمة «يكفي» من قاموس الإنسان.

● الشهوة: الحب حين يطلب الملكية

في (Malcolm & Marie)، ستتابع حبيبين يعودان إلى المنزل بعد ليلة يُفترض أنها احتفاء بنجاح مشترك. لكن كلمة شكر غائبة تكفي لفتح تاريخ كامل من الجروح، كجرح قديم التأم على شظية. وسرعان ما يتحول الحوار إلى اعترافات، وغيرة، وخذلان، حتى يصبح واضحًا أن كلًا منهما يبحث عند الآخر عن أكثر من الحب؛ يبحث عن الاعتراف، وأن يكون مصدر معناه، ودليل موهبته، والمرآة التي يرى فيها نفسه.

يتبادلان القسوة، ثم يعودان إلى القرب، ثم يعيدان الدائرة مرةً أخرى. كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يؤكد قيمته، وأن يحمل عنه شكوكه، وأن يمنحه شعورًا دائمًا بالاكتمال. ومع كل جولة، يتحول الحب تدريجيًا إلى رغبة في الملكية، ويتحول الإنسان إلى جوابٍ عن أسئلة لم يصنعها.

وربما تبدأ أكثر العلاقات سمّية حين يتحول الحب من رغبة في مشاركة الآخر... إلى رغبة في امتلاكه.

● الكسل: الوقوف بين الاحتمالات

امرأة ذكية وفضولية وممتلئة بالرغبة، تنتقل بين التخصصات، والمهن، والعلاقات، كلما اقترب أحدها من أن يصبح اختيارًا حقيقيًا. فيلم (The Worst Person in the World) حيث كل احتمال جديد يبدو أجمل من الحياة التي بدأت تتشكل أمامها، وهي مفارقة يعرفها كل من وقف أمام قرار مصيري؛ فالحياة التي لم نعشها تبدو دائمًا أكثر اكتمالًا من الحياة التي اخترناها.

جولي تؤجل الحسم. كل اختيار يغلق بابًا، وهي تريد الاحتفاظ بكل الأبواب مفتوحة، وبكل النسخ الممكنة من نفسها حيّة. في البداية تبدو هذه الحرية مغرية، لكن الحياة تملك عادةً سيئة؛ أنها تختار عنك إذا تأخرت طويلًا. كل باب يبقى مفتوح لفترة طويلة يغلق بابًا آخر في مكان لا تراه، حتى يصبح التأجيل نفسه شكلًا من أشكال الاختيار.

يقدّم الفيلم الكسل في صورته الأكثر خفاءً؛ تأجيل الحياة انتظارًا للحظة التي تحتفظ فيها بكل الاحتمالات. ثم يأتي الزمن، ويحسم بهدوء، ويتركك تلتفت إلى الوراء لتكتشف أن ما تأجل لم يكن قرارًا واحدًا... بل حياة كاملة.

كل فيلم في هذه القائمة يحمل أكثر من خطيئة، تمامًا كما حملت رحلة أوديسيوس أكثر من اختبار. لكن غالبًا ما توجد خطيئة واحدة تمسك بالدفة؛ تفسر القرارات، وتعيد الأخطاء، وتحول الطموح إلى هوس، والحب إلى امتلاك، والألم إلى انتقام.

ولهذا تعيش الخطايا السبع مع كل جيل. تغيّر أسماءها، وتبدّل وجوهها، وترتدي في كل عصر ثوبًا جديدًا، بينما يحمل الإنسان نفسه معه أينما ذهب.

نغادر طروادة ونحن نظن أننا عرفنا الطريق، ثم نكتشف، بعد كل هذه المحطات، أن أطول الطرق هي تلك التي يصنعها الإنسان وهو يحاول تهذيب نفسه.

بصيرة نقديــّـة
بصيرة نقديــّـة

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-