«نساء صغيرات» على أطراف الرياض: قراءة في مسلسل «شارع الأعشى»
حين تبحث «جو» عن الحب كملاذ أخير بعد سنوات من القتال والصراع، تجد «عزيزة» في الحب نفسه سببًا أوليًا لخوض معاركها، وكأن قلبها يرفض أن ينبض إلا في ساحات التحدي.

ثمة أعمال درامية لا تُشيح عن البساطة، بل تتكئ عليها بثقة. لا تحاول أن تُبهر المشاهد بمؤثرات ضخمة أو حبكات معقدة، من هذه الأعمال يبرز مسلسل «شارع الأعشى» عمل بسيط في ظاهره، لكنه يراهن على القرب من الناس، على أن يجد كل مشاهد نفسه، أو جاره، أو حتى ماضيه، بين مشاهده.

يُحكى لنا المسلسل بلسان عزيزة، البطلة التي ترى العالم من نافذتها الصغيرة، الفتاة المراهقة، ومن هنا تأتي متعة المشاهدة؛ فأنت ترافقها في أحكامها الطفولية، تقف معها في زوايا التهوّر والبراءة، تشعر أن الحياة بالنسبة لها إما بيضاء ناصعة أو سوداء قاتمة، لا درجات بينهما. نظرتها للحياة أحيانًا تضحكك، وأحيانًا تذكّرك بنفسك حينما كنت ترى العالم بسيطًا، واضحًا، خاليًا من تعقيدات الكبار.
من يشاهد العمل لن يخطئ في ملاحظة التشابه العجيب مع رواية «نساء صغيرات» الشهيرة؛ حيث الفتيات الأربع يحاولن شقّ طريقهن بين طموحاتهن وأدوارهن المفروضة. غير أن النسخة السعودية هنا لا تدور في بوسطن، بل في قلب الرياض، على أطراف شارع الأعشى في حي منفوحة، حيث كل زقاق يحمل حكاية، وكل باب موارب يخفي أمنية. حين تبحث «جو» عن الحب كملاذ أخير بعد سنوات من القتال والصراع، تجد «عزيزة» في الحب نفسه سببًا أوليًا لخوض معاركها، وكأن قلبها يرفض أن ينبض إلا في ساحات التحدي.

يختزل المسلسل أحلام الفتيات البسيطة التي تتحول إلى تحديات وجودية: من انتظار دعوة عزيمة إلى مواجهة الجذور العميقة. ثم تأتي المسألة التي شغلت الناس أكثر مما شغلتهم القصة نفسها: اللهجات. صارت حديث المجالس ومنصات التواصل. أُشيع أن لهجات الممثلين متكلفة، مفتعلة، بعيدة كل البعد عن روح المكان. والحقيقة، لو نظرنا بإنصاف، لوجدنا أن الهجوم قد بالغ، وأن جلد العمل بسبب لفظة أو نبرة، فيه كثير من التسرّع. نعم، ثمة مشاهد كان يمكن أن تُضبط لغويًا بشكل أدق، لكن هل يستحق ذلك كل هذا الضجيج؟ بل إن الجرأة في إحياء لهجة محلية، في زمن تكاد تضيع فيه اللهجات بين عولمة الصورة، تُحسب لصالح العمل لا عليه.
لا أرى سببًا منطقيًا خلف هذا الإصرار العجيب على انتقاد العمل والتصيّد له عند كل هفوة، كأن البعض قد نذر نفسه ألا يدع شاردة ولا واردة تمرّ دون تعليق. كأننا، فجأة، أصبحنا نعيش في زمن تزخر فيه الشاشات بأعمال متقنة لا يشوبها نقص، ولم يبقَ لنا إلا «الأعشى» لنمزّق أوصاله بحثًا عن الكمال!
الواقع هو أن «شارع الأعشى» جاء ليوقظ شيئًا في الدراما السعودية افتقدناه طويلًا؛ بعد سنوات من فتور الإنتاج، وركود المواضيع. لا يمكن أن ننكر أنه تفوّق -على الأقل جماهيريًا- على كثير من المسلسلات التي عُرضت إلى جواره، مثل «ليالي الشمسي» و«عمتي نوير». واللافت أنه لم يحتج إلى تعقيدات سردية أو نجوم لامعين؛ كل ما فعله أن قدّم قصة صادقة، بطاقم يحمل بين أفراده مواهب واعدة.
نجح « الأعشى» في خلق عالم قريب من تفاصيلنا اليومية، حيث تتحول أحلام الفتيات البسيطة إلى معارك وجودية ضد التقاليد والحدود المُفروضة. قد يُنتقد لثغراته الفنية، أو لهجاته التي لم تُقنع الجميع، لكنه يظل خطوة جريئة نحو دراما سعودية أكثر نضجًا، ترفض التقليد وتتجرأ على سرد حكايات الناس دون تزييف. «شارع الأعشى» ليس عملاً كاملاً، لكنه ضروري؛ لأنه يزرع بذورًا لسردياتٍ قادمة، تثبت أن البساطة ليست ضعفًا، بل فنًّا يحتاج إلى شجاعة أكبر من كل المؤثرات.

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-