ليل نهار: فيلم بلا هوية، ولا قضية

يحكي الفيلم قصة تجمع بين مغني أوبرا و "طقاقة" (فنانة)، حيث يجد نَهار، مغني الأوبرا، نفسه في قلب حملة "كنسلة" -والتي تعد أولى غيث المستوردات- بعد انتشار فيديو يتهمه بالعنصرية ضد "السمر"

يروي الإنسان القصص بدوافع إنسانية عميقة، فالقصة هي وسيلتنا المشتركة لسرد تجاربنا ومشاركة مشاعرنا بحثًا عن المعنى. في عالم السينما، تتطور القصص لتأخذ أبعادًا أوسع، تجمع بين المتعة والبصيرة. لكن ماذا لو فقد الفيلم ارتباطه بجذوره الثقافية والاجتماعية؟ هنا يأتي فيلم "ليل نهار"، ليكون مثالًا حيًا على الاغتراب الثقافي داخل الإنتاج السينمائي.

حبكة مستوردة

يحكي الفيلم قصة تجمع بين مغني أوبرا و“طقاقة“ (فنانة)، حيث يجد نَهار، مغني الأوبرا، نفسه في قلب حملة ”كنسلة" -والتي تعد أولى غيث المستوردات- بعد انتشار فيديو يتهمه بالعنصرية ضد "السمر". تتصاعد الأحداث ليضطر بطل القصة للتفاعل مع هذه التهم، مما يدفعه لاتخاذ قرارات مفاجئة تؤثر على حياته الشخصية والمهنية. وعلى الرغم من محاولة الفيلم معالجة قضية العنصرية، فإنه يفشل في غوصه في طبقات العنصرية التي يعرفها المجتمع السعودي. بدلاً من ذلك، يصر الفيلم على استيراد قضية بعيدة عن واقعنا، حيث يعرض العنصرية ضد السود بأسلوب أمريكي محض.

الأغرب من ذلك، أن الفيلم يتجنب استخدام المصطلحات العنصرية الدارجة في مجتمعنا كـ"عبد" أو ”أسود“، وهي مصطلحات رغم حساسيتها، تمثل جزءًا من القضية. وفي المقابل، يقدم حكايات غير منطقية، مثل نزاع بين أهل قرية بسبب "صوت طفلهم الذي يطربهم"، أو مغني أوبرا يُثبت عدم عنصريته بزواجه من "سمراء". هكذا يظهر الفيلم وكأنّه في حالة تردد بين محاولة تقديم قضية عالمية وبين جهل لواقعنا المحلي.

عبدالله السدحان
عبدالله السدحان

العبث السينمائي في أقصى درجاته

يواجه الفيلم أزمة في بناء شخصياته، إذ يبدو أن هذه الشخصيات غريبة عنا ولا نفهم دوافعها أو سياق وجودها. على عكس أفلام مثل "سطّار" التي رغم مبالغتها في الخيال، قدّمت شخصيات نعرفها، وأحداثًا قريبة من حياتنا اليومية، نجد أن ”ليل نهار" عالق في تقليد ثقافات أخرى، حتى في مشهد رئيس العصابة الذي يتبنى المواهب، حيث يظهر معه توأم أوروبي في مشهد غريب، يفتقر إلى أي صلة لنا. أما النكات التي يتناولها الفيلم، فقد كانت ضعيفة ومبتذلة، لم تعكس واقعنا أو حس الفكاهة المميز في بيئتنا المحلية، بل بدت مصطنعة وساذجة وغير ملائمة للسياق. وفي النهاية، كانت محاولات الفكاهة تثير التساؤل أكثر مما تثير الضحك، مما يضع الفيلم في مأزق كبير فيما يتعلق بجذب الجمهور السعودي.

الأزياء: فوضى بصرية

في الوقت نفسه، تتحول محاولات الإبداع البصري في الفيلم للوحة مبالغ فيها من الأزياء الغريبة مثل البشت البنفسجي والعقال الفضي، وحتى الشخصيات الثانوية التي تظهر وكأنها مرت بألوان الطيف كلها دفعة واحدة، تجعل الفيلم أشبه بفيلم كرتوني لا عمل سينمائي. والأسوأ من ذلك، مشهد الجالية الفلبينية ومرور "الراهبات" تحت مبنى مطعم برجر، حيث تظهر فجأة لقطات عشوائية لجماعات مجهولة الهوية في مشاهد لا تغني ولا تسمن من جوع. قد يكون هناك نية لإيصال رسالة ما، لكن ما وصل إلى المُشاهد كان خليطًا بلا معنى ولا طعم.

الممثلة أبرار فيصل
الممثلة أبرار فيصل

الجانب الإيجابي الأبرز في الفيلم يتمثل في أداء الممثلة أبرار فيصل، التي أظهرت موهبة حقيقية وسط هذا العبث. يمكن القول أنها كانت بمثابة طوق نجاة أنقذ الأداء من الغرق في دوامة الفوضى، واستطاعت أن تترك بصمة واضحة في العمل، لتُظهر أن السينما السعودية، رغم التحديات، تحمل بين طياتها مواهب قادرة على الارتقاء بها إلى مستويات جديدة.

"ليل نهار" يطرح تساؤلًا كبيرًا: هل من الصعب حقًا تقديم قصة سعودية أصيلة نابعة من واقعنا وحياتنا؟ فيلم يمس هويتنا وقضايا المجتمع السعودي الحقيقية؟

الجمهور السعودي يبحث عن شيء يفهمه ويشبهه، لا عن "مسرحية ألوان" أو قصة دخيلة تغرقه في غربة فنية. في النهاية، السينما السعودية بحاجة إلى المزيد من الأعمال التي تعكس واقعنا، ثقافتنا، وقصصنا المحلية. فالأفلام يجب أن تكون صوتنا، لا صدى لأصوات بعيدة. يجب على صنّاع السينما أن يدركوا أهمية العودة إلى الجذور، لأن القصص التي تنبع من القلب، تصل دائمًا إلى القلب.

بصيرة نقديــّـة
بصيرة نقديــّـة

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-