متلازمة الطفل الموهوب: من وهم التفوق إلى صدمة الواقع
ماذا لو كبرنا على تقبّل العادية؟ كيف كانت ستبدو حياتنا لو لم تُزرع فينا فكرة التميز كمقياس وحيد للنجاح؟ لو لم نبنِ تلك الفقاعات الهشّة التي تنهار عند أول مواجهة مع الواقع؟

”الأول“ / ” الأذكى“ / ”الأفضل“
تخيل أن تعيش حياتك تحت ظلال هذه الكلمات، أن تصبح نظرات الانبهار في أعين من حولك أمرًا معتادًا، وأن لا تتعلم كيف تكون عاديًا. تؤمن أنك بطل القصة، وكل من حولك مجرد شخصيات جانبية. ثم تأتي لحظة ما، ربما في الجامعة أو الوظيفة الأولى، لتكتشف أن الجميع هنا كانوا "الأول" في صفوفهم، "الأذكى" في مدارسهم، و"الأفضل" في بيئاتهم. فجأة، تجد نفسك لم تعد استثنائيًا. القمة التي كنت تقف عليها تبدو الآن مجرد تل صغير وسط جبال شاهقة.

لحظة الاستيقاظ
تُراجع كل نجاحاتك وكأنها مجرد لحظات عابرة. كل شهادة، كل تصفيق، وكل مديح يصبح الآن مصدرًا للشك. ثم يأتي العمل، حيث يُصبح الثناء عملة نادرة، والإبهار مطلبًا مستحيلًا. تبذل جهدك، تسهر، تُتقن التفاصيل، لكن النتيجة؟ مجرد إيماءة خفيفة أو حتى تجاهل كامل. تُصبح غير قادر على تقييم نفسك إلا من خلال إشادات الآخرين، تنتظر من مديرك أن يُثني على كل تقرير، ومن زملائك أن ينبهروا بكل فكرة، لكن ذلك لا يحدث. فالعالم الخارجي ليس مدرّسك الذي يكتب "ممتاز جدًا" ويرسم نجمة على كل إجابة صحيحة، ولا والدتك التي تشيد بقرائتك وبانتهائك من صحنك. العالم الخارجي لا يكافئ التفاصيل الصغيرة، ولا يهتم إلا بالنتائج النهائية... والتي قد تُسرق منك.
وهنا السؤال: لماذا نعتمد على الإشادات لنحدد قيمتنا؟ لماذا يبدو النجاح ناقصًا إذا لم يعترف به الآخرون؟
تتحول تدريجيًا من شخص يسعى للإنجاز إلى شخص يخاف الفشل. ليس لأنك تجهل كيف تتجاوزه، بل لأنك تخشى أن الفشل سيهدم صورتك التي قضيت عمرًا طويلًا في بنائها.
العاديون... أبطال بلا أفلام
لماذا لا نجد قصصًا حقيقية عن الأشخاص العاديين؟ لماذا يجب أن تكون البطولة مرتبطة بالمواقف الخارقة؟ حتى في الأفلام، عندما يُقررون جعل "العادي" بطلًا، يُضعونه في مواقف خارقة وغير منطقية، وكأنهم يقولون: "لتكون مهمًا، يجب أن يحدث شيء استثنائي“ لماذا لا نجد فيلمًا يحتفي بشخص يعيش يومه العادي؟ يستيقظ، يعمل، يرتكب أخطاء صغيرة، يُحاول، ويستمر. لماذا لا نُكرّم البساطة كما هي؟
ماذا لو كبرنا على تقبّل العادية؟ كيف كانت ستبدو حياتنا لو لم تُزرع فينا فكرة التميز كمقياس وحيد للنجاح؟ لو لم نبنِ تلك الفقاعات الهشّة التي تنهار عند أول مواجهة مع الواقع؟ ربما لو لم نُحمّل أنفسنا عبء التميز لوجدنا مساحة لقصص مختلفة. قصص لا تحتاج إلى مواقف عظيمة ليصبح أبطالها مهمين.

العبء المثقل على أكتافنا
ربما لو لم نُحمّل أنفسنا عبء الاستثنائية، عبء أن تكون الابن الناجح أكاديميًا، البار بوالديه، النموذج الذي يرضي الجميع. ألّا يكون لك خيار في اختيار مجالك فهو إما طب أو الهندسة، بمرتبة الشرف الأولى طبعًا. عبء أن تكون رياديًا وتواكب من حولك من الرياديين. عبء أن تكوني الزوجة التي تنجب سبعة أبناء على الأقل معظهم ذكور، تربينهم أفضل تربية، بدون الحاجة لخادمة منزلية، دون أن تتخلي عن أي واجب منزلي بكامل أناقتك وبشاشتك.
هذه الأعباء تجعلنا أسرى لسباق لا ينتهي. نحاول مواكبة سراب التفوق، لكننا نجد أنفسنا نركض في دوائر بلا نهاية، مجرد طواف لا يدفعنا نحو أي مكان.
هل نملك الجرأة للتوقف؟
نعيش في عالم يحتفي بالاستثنائية ويُهمّش العاديين. لكن، ربما حان الوقت للتساؤل: هل نملك الشجاعة لنتوقف عن الركض في سباق لا نهاية له؟ هل يمكن أن نُعيد تعريف النجاح بعيدًا عن الألقاب والمظاهر؟ ربما يكون هذا التساؤل بداية لإعادة التفكير، أو قد يبقى مجرد صدى لحيرة لا إجابة لها. الخيار... يبقى لك.

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-