انتشر مؤخرًا فيديو لرجالٍ يؤدّون "الدحة" باللغة الإنجليزية. وكان تجسيدًا حيًا لأسوأ كوابيس الهوية: حيث يتحول الموروث من قيمة نعيشها إلى بضاعة نعرضها، بلغة ليست بلغتنا ولجمهور لا يكلف نفسه عناء فهمنا.
مشكلتنا هنا ليست مع اللغة كأداة تواصل، بل مع العقلية التي تتوهّم أن "العالمية" صكٌّ لا يمنح إلا لمن يتحدّث الإنجليزية. بينما الحقيقة هي أن الموروث الثقافي لا يتُرجم -بشكله الحرفي- ولا يصّدر.
أعي أن بناء أرضية مشتركة بين الثقافات هو مربط فرس القوة الناعمة لكن بناء الجسور مع العالم لا يتم بهدم أسوارنا، فبهذه الطريقة سنورّث جيلاً يشبه (غراب البين) الذي ضيّع المشيتين. غراب معاصر، يحاول تقليد هيبة الغرب في لغته، فلا ينجح في أن يكون غربيًا، ولا يتذكّر كيف يكون أصيلًا. الإنجليزي لن يرى في دحتك المترجمة سوى محاولةٍ متعثّرة للتودّد، وابن هذه الأرض لن يتعرّف على صوت جدّه في كلماتك الملساء.
مثلًا في السينما؛ العالم كله يلاحق الترجمة (Subtitles) بتركيزٍ عالٍ ليشاهد عبقرية السينما الكورية أو الفرنسية بلُغتها الأم، إلا متحدثي الإنجليزية -سبحان الله- فهم يعانون من عجز اختياري وكسل لا يضاهى يمنعهم حتى من ملاحظة سطر واحد أسفل الشاشة. وبدلًا من أن نجبرهم على احترام خصوصيتنا نتبرع نحن بدبلجة تراثنا الحي، حين نميّع معاييرنا لتتناسب مع أرضيتهم، فنفقد وقار موروثنا ولا حتى ننال احترام ذائقتهم.
نحن هنا لا ننشر ثقافتنا، بل نغذي كبرياءهم الثقافي على حساب هويتنا. إننا أمام كسل مزدوج: كسل "المبدع" الذي اختار المسخ بدلًا من العمق وكسل المتلقي الغربي الذي دللناه إلى حد الانسلاخ من هويتنا وفي النهاية لم يرَ فينا سوى نسخة باهتة من نفسه.
الاعتزاز هو البوصلة. لو كان مؤدّي "الدحة" معتزًا بما يملك، لأدرك أن صوته الخشن ونبرته الجهيرة هما ما سيجذبان العالم ويجبرانه على الإنصات.
فالهويات لا تنتشر حين تُلطَّف، بل حين تُقدَّم كما هي.
هكذا فعل الأمريكيون مع ثقافتهم الشعبية الحديثة؛ ثقافة "البوب" التي لم تولد من فراغ، ولم تحاول تبرير نفسها أو تمويه ملامحها، بل فرضت لغتها وإيقاعها حتى صار العالم يتعلّمها ليفهم سرّ حضورها وقوتها.