كيف ينافس الإنسان ذكرى؟

كيف يُقارن إنسان شاركك الحياة بكل ما فيها من حقيقة وثقل وتحول، بشخص بقي محفوظًا في ذاكرتك في أفضل نسخة ممكنة من نفسه؟

شاهدت Eternity قبل فترة، وما زلت عاجزة عن تجاوزه. أكثر ما شدّني فيه أنه لم يتعامل مع الحب بوصفه شعورًا بسيطًا أو قصة اختيار مألوفة بين شخصين، بل بوصفه تجربة أكثر تعقيدًا وتشابكًا. كأن الفيلم يطرح سؤالًا ثقيلًا عن الطريقة التي نقيس بها الحب: هل يُقاس بأعلى لحظاته توهجًا، أم بالعمر الذي عاشه وتحمل اختبار الزمن؟

يصعب وضع Eternity في خانة الأفلام الرومانسية المعتادة، لأن فكرته أوسع من ذلك بكثير. الفيلم يستخدم الحب مدخلًا للتأمل في الزمن والذاكرة والنسخ المختلفة من حياتنا؛ تلك التي عشناها، وتلك التي ظلّت معلقة في مساحة الاحتمال. فكرته الجوهرية ذكية ومؤلمة في آن واحد: إذا أُتيح للإنسان أن يختار الحب الذي يرافقه إلى الأبد، فبأي معيار يُتخذ هذا القرار؟ كيف يمكن المفاضلة بين علاقة عاشت بكل تفاصيلها، وعلاقة بقيت محفوظة في مكان شديد الصفاء داخل الذاكرة؟

أثناء مشاهدتي للفيلم خطر ببالي عدد من الأعمال التي تركت فيّ أثرًا مشابهًا، لتقاطعها معه في المساحة الشعورية ذاتها. La La Land مثلًا، يستمد ألمه من تلك اللحظات التي يفتح فيها نافذة على الحياة التي كان يمكن أن تُعاش.. ثم يترك المشاهد أمام وطأة الاحتمال. أما Comet، فيتعامل مع الحب بوصفه شعورًا صادقًا ومكثفًا.. ويضعك أمام حقيقة أن بعض العلاقات، مهما بلغت من الهيام يصعب عليها أن تتحول إلى حياة مستقرة. ويعود Eternal Sunshine of the Spotless Mind إلى الأرض نفسها من زاوية مختلفة، حيث تصبح الذاكرة جزءًا من تعريف الحب ذاته وعنصرًا من العناصر التي تمنحه معناه.

ما يجمع هذه الأفلام، في رأيي، أنها تتعامل مع الحب بوصفه علاقة مع الزمن. أما Eternity فيدفع هذه الفكرة إلى أقصاها، حين يحوّل التأمل إلى قرار، ويضعك أمام سؤال ثقيل في بساطته: ماذا ستختار؟

إذا لم تشاهد الفيلم بعد، فالأفضل أن تتوقف هنا. لأن ما يلي يكشف جوهر الحكاية بالكامل.

أكثر ما أثر فيّ في الفيلم أن معضلته تتجاوز قصة الحب التقليدية بكثير، وتمس سؤالًا إنسانيًا أكثر تعقيدًا. المقارنة التي يطرحها لا تدور، في حقيقتها، بين رجلين، بل بين شكلين مختلفين للحب؛ حب بقي محفوظًا في أكثر لحظاته صفاءً، وحب آخر عبر الزمن كاملًا بكل ما يحمله من تحولات وثقل واعتياد وألفة.

وهنا تكمن القسوة الحقيقية. لأن الذكرى، في النهاية، تعرف كيف تنتقي. تحتفظ بما كان مضيئًا، وتخفف من وطأة ما سواه، وتعيد ترتيب التجربة بطريقة تمنحها صفاءً يفوق حقيقتها لحظة عيشها. ولهذا تبدو بعض العلاقات، حين نسترجعها، أكبر حجمًا وأكثر وهجًا، لأن الذاكرة تعيد صياغة الأشياء وفق منطقها الخاص.

أما العلاقة التي تعيش فعلًا، فتخضع لقوانين أخرى. يدخلها الزمن، وتتشكل داخلها الأيام العادية، وتظهر فيها النسخ الأقل شاعرية من أنفسنا. الحب حين يعيش طويلًا يتغير، وهذا جزء من طبيعته. يفقد شيئًا من وهجه الأول، ويكسب شيئًا آخر أكثر هدوءًا وامتلاءً وصدقًا. وهذا تحديدًا ما جعل الفيلم يصيبني في مكان حساس، لأنه حرّك سؤالًا أكثر تعقيدًا من سؤال الحب الأكبر: أيبدو الحب أعظم بسبب حقيقته، أم بسبب توقّفه عند اللحظة التي أبقت وهجه كاملًا؟

ولهذا جاءت جملة الزوج من أكثر لحظات الفيلم وجعًا: How can I compete with a memory؟ لأنها تختصر المعضلة كلها بدقة موجعة. كيف يُقارن إنسان شاركك الحياة بكل ما فيها من حقيقة وثقل وتحول، بشخص بقي محفوظًا في ذاكرتك في أفضل نسخة ممكنة من نفسه؟

بصيرة نقديــّـة
بصيرة نقديــّـة

نشرة لا يُعرف لها حد ولا يُقيدها قيد -تقريبًا-